الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
433
مختصر الامثل
كمن يقف على رأسه بدل رجليه : « وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا » « 1 » . وفي الختام تخاطب الآية أولئك البسطاء من المسلمين الذين انقسموا على أنفسهم وأصبحوا يدافعون لسذاجتهم عن المنافقين ، فتؤكد لهم أنّ هداية من حرمه اللَّه من لطفه ورحمته بسبب أفعاله الخبيثة الشنيعة أمر لا يمكن تحقيقه ، لأنّ اللَّه قد كتب على هؤلاء المنافقين ما يستحقونه من عذاب وضلال وحرمان من الهداية والنجاة « أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا » . إذ أنّ عمل كل شخص لا ينفصل عنه . . . وهذه سنة إلهية . . . فكيف يؤمل في هداية أفراد امتلأت أفكارهم وقلوبهم بالنفاق ، واتجهت أعمالهم إلى حماية أعداء اللَّه ؟ ! إنّه أمل لا يقوم على دليل . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ( 89 ) لقد تحدثت الآية السابقة عن المنافقين الذين كانوا يحظون بحماية نفر من المسلمين البسطاء وشفاعتهم ، وأوضحت أنّ هؤلاء المنافقين غرباء عن الإسلام ، وهذه الآية تبين أنّ المنافقين لفرط انحرافهم وضلالتهم يعجبهم أن يجرّوا المسلمين إلى الكفر كي لا يظلّوا وحدهم كافرين : « وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً » . ولهذا السبب فإنّ المنافقين أسوأ من الكفار ، لأنّ الكافر لا يحاول سلب معتقدات الآخرين ، والمنافقون يفعلون هذا الشيء ويسعون دائماً لإفساد المعتقدات ، وهم بطبعهم هذا لا يليقون بصحبة المسلمين أبداً ، تقول الآية الكريمة : « فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ » . إلّاإذا غيروا ما في أنفسهم من شرّ ، وتخلوا عن كفرهم ونفاقهم وأعمالهم التخريبية . ولكي يثبتوا حصول هذا التغيير ، ويثبتوا صدقهم فيه ، عليهم أن يبادروا إلى الهجرة من
--> ( 1 ) « أركسهم » : مَن ركس وهو قلب الشيء على رأسه ، وتأتي أيضاً بمعنى ردّ أوّل الشيء إلى آخره .